محمد حسين الذهبي
460
التفسير والمفسرون
من مسائل هذه الآية يعرض لإمامة الصغير ، ويذكر أقوال من يجيزها ومن يمنعها ، ويذكر أن من المانعين لها جملة : مالكا ، والثوري ، وأصحاب الرأي ، ولكنا نجده يخالف إمامه لما ظهر له من الدليل على جوازها ، وذلك حيث يقول : ( قلت : إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئا ، ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال : كنا بماء ممر الناس ، وكان يمر بنا الناس فنسألهم ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون : يزعم أن اللّه أرسل . . أوحى إليه كذا . . أوحى إليه كذا ، فكنت أحفظ هذا الكلام ، فكأنما يقر في صدري ، وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون : اتركوه وقومه ؛ فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق ، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم ، وبدر أبى قومي بإسلامهم ، فلما قدم قال : جئتكم واللّه من عند نبي اللّه حقا . . قال : صلوا صلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآنا ، فنظروا فلم يكن أحد أكثر منى قرآنا ، لما كنت أتلقى من الركبان . . فقدمونى بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين ، وكانت على بردة إذا سجدت تقلصت عنى فقالت امرأة من الحي : ألا تغطون عنا است قارئكم ؟ فاشتروا ، فقطعوا لي قميصا ، فما فرحت بشيء فرحى بذلك القميص ) اه « 1 » ومثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 173 ) من سورة البقرة « . . . فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . . . » نراه يعقد المسألة الثانية والثلاثين من مسائل هذه الآية في اختلاف العلماء فيمن اقترن بضرورته معصية ، فيذكر أن مالكا حظر ذلك عليه ، وكذا الشافعي في أحد قوليه . . وينقل عن ابن العربي أنه قال : ( عجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية ، وما أظن أحدا يقوله : فإن قاله فهو مخطئ قطعا ) ثم يعقب القرطبي على هذا كله فيقول : ( قلت : الصحيح خلاف هذا ، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه ، قال اللّه تعالى في الآية ( 29 ) من سورة النساء « وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، وهذا عام ، ولعله يتوب في ثاني الحال ، فتمحو التوبة عنه ما كان . . . « 2 » ) اه
--> ( 1 ) ج 1 ص 353 . ( 2 ) ج 2 ص 332 .